المحامي
الفلسطينيون في لبنان وحقوقهم المدنية
المحامي نعمة جمعة
أ. نظرة موجزة في الخلفية التاريخية-عود على بدء:
لا أدري ما هي المشاعر التي كانت تخالج سايكس و بيكو ، قنصلا بريطانيا وفرنسا في لبنان، عام 1916 عندما وضعا امامهما خارطة المنطقة ، وبالمسطرة والقلم قسّما المشرق العربي الى مشاريع دويلات، او بالأحرى حددوا نصيب كل من دولتيهما في هذا الجزء من العالم ، الذي عُرف طوال القرن التاسع عشر باسم الرجل المريض؟! وهل كان في حسبانهما غير مصالح بلديهما الإستعمارية بمنأى عن رأي شعوب المنطقة ومصالحها؟!
وهل كان بلفور عام 1917 يدرك بدوره أن وعده بإعطاء القسم المقتطع باسم فلسطين لشعب الله المختار ، انما يغرس بذور فتنة بشرية ، ويرتكب احدى افظع جرائم التاريخ الحديث بحق شعب آمن ومستقر في أرضه منذ بدايات التاريخ ، لتستوطنه عصابات مريضة حاقدة على البشرية جمعاء ، فترتكب بحق هذا الشعب جرائم ضد الإنسانية وإبادات تسببت بإجباره على ترك ارضه وإقتلاعه منها نحو ديار الشتات، ولتستولي عليها بعقلية استعمارية إستيطانية ممنهجة .
هل كان في مدى التصور أن بدايات كهذه ، وعلى أيدي العابثين بالتاريخ والجغرافيا والمتلاعبين بمصائر الشعوب وأقدارها، سوف يترتب عن تصرفهم نتائج وخيمة، وصراعات إمتدت زمناً لتشهد حربين عالميتين، عدا عن الحروب اللاحقة التي ذاقت ويلاتها المنطقة بكاملها، وعجزت أول مؤسسة دولية، تمثلت بعصبة الأمم عن إيجاد حل لها، لترثها المؤسسة الدولية التالية، ممثلة بالأمم المتحدة، إذ تفاقمت الوقائع والنتائج وتسببت بتداعيات مرة وأليمة
بحق البشرية جمعاء ، التي استقبلت الألفية الجديدة متوجةً بأزمة ونكبة شعب فلسطين، بعد ان استنفدت هذه القضية نصف القرن الماضي كحد أدنى إذا لم نقل القرن بكامله .
نطرح هذه التساؤلات لندلل على عجز البشرية عن إيجاد حلول ناجعة لقضية تؤرّق العالم من أقصاه إلى أقصاه، وتهدد أمنه وسلامه، ولنؤكد بعد هذا الزمن المديد الذي عجز بدوره أن يطوي الصفحة الفلسطينية، بفعل تمسك أصحابها بحقهم المشروع معتصمين بإرادة صلبة وعزيمة لم تعرف اللين او الإنكسار، رغم النكبات المتتالية التي لحقت بهم، ولنقول بصوت عال أن العالم بإجمعه لن يعرف الطمأنينة والسلام ما دام حائل يحول دون تمكين هذا الشعب من تحقيق مصيره. لأن ميزان العدالة سوف يبقى مائلاً، ومجموعة مفاهيم القيم الإنسانية والأخلاقية سوف تبقى في ثلاجة الضمير الإنساني أو مكب النفايات البشرية .
مما لا جدال حوله أن المسألة الفلسطينية تعدت منذ بدايات تكوينها، ان تكون مسألة ذاتية محدودة التأثير بين غرباء قدموا لاستعمار أرض، وشعب يقاوم احتلالهم لإجلائهم عنها، وبالأحرى نحن أمام أخبث وأدهى حالات الإستعمار الإستيطاني، الذي لم يعرف مثيلاً له في تاريخ سابق، إلا في الأمريكيتين حيث جرت إبادة الهنود الحمر سكان البلاد الأصليين، او ما جرى في جنوب افريقيا حيث فرض نظام (الأبرتايد) على السكان المحليين الذين استطاعوا بإرادتهم ونصرة العالم لهم تقويض أسس هذا النظام العنصري،الذي أزيل من الوجود والذي لا شبه له إلا النظام الصهيوني. نقول أن المسألة الفلسطينية تعدت ذاتيتها لتغدو ومنذ البدايات مسألة عالمية لها علاقة بمراكز القوى الدولية و بالتوازنات العالمية .
لقد تصدرت قضية فلسطين عناوين المؤتمرات والمنابر الدولية منذ تأسيس الأمم المتحدة وحتى اليوم. وحازت على ما لا نهاية له من القرارات الدولية الصادرة عن الجمعية العامة للأمم المتحدة وعن مجلس الأمن الدولي. وتصطدم هذه القرارات بجدار الحماية الذي توفر بقيام دولة إسرائيل، تارةً تحت عنوان التكفير عن عقدة الذنب التي تسببت بها النازية بحق اليهود، وتارةً أخرى بالمصالح الكبرى للدول الإستعمارية في المنطقة ، وآخراً وليس أخيراً بالتفرد الأمريكي على القرار الدولي ، وهيمنته على العالم متسلحاً بجبروته وقوته المتعاظمة . بحيث بقيت هذه القرارات في أرشيف المنظمة الدولية ، دون أن تسلك مسارها نحو التنفيذ العملي إحقاقاً لحق الشعب الفلسطيني، وترجمةً عملية لمبررات وجود المنظمة الدولية وشرائعها
إن قضية شعب فلسطين بمنظار حقوق الإنسان، هي قضية عادلة، تتنوع وتتعدد الأسس القانونية التي تستمد عدالتها منها.فهناك الميثاق الدولي والقانون الدولي لحقوق الإنسان ممثلاً بالإعلان العالمي والعهدين الدوليين ومجمل الشرائع الدولية الأخرى بما في ذلك قرارات الأمم المتحدة، وهناك أيضاً القانون الدولي الإنساني المعروف بإتفاقيات جنيف وبروتوكولاتها.
في مداخلتنا هذه لن نتطرق إلا إلى بعض العناوين.
المنظمة الدولية في ميثاقها الصادر عام 1945 قد وضعت في ديباجتها الرغبة بإنقاذ (الأجيال المقبلة من ويلات الحرب التي في خلال جيل واحد جلبت على الإنسان مرتين أحزاناً يعجز عنها الوصف) وتأكيدها على الإيمان (بالحقوق الأساسية للإنسان وكرامة الفرد). وحدّدت في مقاصدها في المادة الأولى من الميثاق( حفظ السلم والأمن الدولي ) و(إنماء العلاقات الودية بين الأمم على أساس إحترام المبدأ الذي يقضي بالتسوية في الحقوق بين الشعوب وبأن يكون لكل منها تقرير مصيرها )
أما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وكذلك العهدين الدوليين قد تضمنا نصوصاً محددة تحفظ للإنسان حقه العيش بكرامة، إنطلاقاً من كون هذه الحقوق هي حقوق أساسية غير قابلة للتنازل عنها. وجاءت إتفاقيات جنيف بمجملها، وخاصة الإتفاقية الرابعة لتوفر الحماية للمدنيين في زمن الحرب، والأهم من ذلك ما ورد في البروتوكول الثاني لهذه الإتفاقيات من توفير الحماية لأفراد المنظمات التي تناضل من أجل قضاياها ومعاملتها معاملة أسرى الحرب.
ومن المعروف أنّه سبق قيام كيان دولة إسرائيل صدور قرار عن الجمعية العامة للأمم المتحدة قضى بالتقسيم، تجاوزته دولة اسرائيل باحتلالها لكامل اراضي 1948، متجاهلة القرار الدولي، كما تتجاهل القرار رقم 194،القاضي بإعادة الفلسطينيين الى ديارهم. وما يقتضي ذكره أن الدولة المذكورة هي الوحيدة في العالم التي قُبلت عضويتها في المنظمة الدولية بشروط تطبيقها لقراري التقسيم وعودة اللاجئين. ومع أن حروباً عربية اسرائيلية قد شهدتها المنطقة في الفترة الماضية، واستطاعت اسرائيل بنتيجتها ان تحتل كامل التراب الفلسطيني بالإضافة الى اراض عربية أخرى في الجولان وجنوب لبنان أدت لصدور العديد من القرارات الدولية بهذا الشأن، تتغاضى الدولة المذكورة عن تطبيقها متجاهلة الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، الذي ما زال يناضل للحصول عليها رغم انتهاك اسرائيل لكافة المواثيق الدولية ، وارتكابها لجرائم المجازر والإبادات الجماعية.
ولعل الخطأ التاريخي بحق شعب فلسطين بعد نضاله المرير، قد تجدد بإلغاء القرار الدولي رقم 3339 لعام 1974 الذي كان يعتبر الصهيونية شكلاً من أشكال العنصرية
وما كان لهذه الدولة التي تمارس العنصرية بامتياز أن تقدم على ما أقدمت عليه لولا استظلالها بالحماية الأميركية التي وفّرتها لها من خلال الهيمنة على قرارات مجلس الأمن الدولي والتسلط على المنظمة الدولية. وفي زمن صاغت فيه البشرية مجموعة من الشرائع الدولية التي تحرم فيها التعذيب وجرائم الإبادة الجماعية وأوجدت آل
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ